صديق الحسيني القنوجي البخاري

17

فتح البيان في مقاصد القرآن

ذلِكَ أي ما تقدم من تقديم الصدقة بين يدي النجوى خَيْرٌ لَكُمْ لما فيه من طاعة اللّه ، وتقييد الأمر بكون امتثاله خيرا لهم من عدم الامتثال وَأَطْهَرُ لنفوسهم ، يدل على أنه أمر ندب لا أمر وجوب قوله : فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يعني من كان منكم لا يجد تلك الصدقة المأمور بها بين يدي النجوى ، فلا حرج عليه في النجوى بدون صدقة . أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ أي أخفتم الفقر والعيلة لأن تقدموا ذلك ؟ والإشفاق الخوف من المكروه ، والاستفهام للتقرير . وقيل : المعنى أبخلتم ، وجمع الصدقات هنا باعتبار المخاطبين ، قال مقاتل بن حيان : إنما كان ذلك عشر ليال ثم نسخ ، وقال الكلبي : ما كان ذلك إلا ليلة واحدة وقيل إنه لم يبق إلا يوما واحدا وقال قتادة : ما كان إلا ساعة من نهار . فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا ما أمرتم به من الصدقة بين يدي النجوى ، وهذا خطاب لمن وجد ما يتصدق به ولم يفعل ، وأما من لم يجد فقد تقدم الترخيص له بقوله : فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وإذ على بابها في الدلالة على المضي وقيل : هي بمعنى إذا وقيل : بمعنى إن وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ رجع بكم عنها بأن رخص لكم في الترك فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ المعنى إذا وقع منكم التثاقل عن امتثال الأمر بتقديم الصدقة بين يدي النجوى فاثبتوا على إقامة الصلاة المفروضة وإيتاء الزكاة الواجبة وطاعة اللّه ورسوله فيما تؤمرون به وتنهون عنه . وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ لا يخفى عليه من ذلك شيء ، فهو مجازيكم وليس في الآية ما يدل على تقصير المؤمنين في الامتثال أما الفقراء منهم فالأمر واضح ، وأما من عداهم من المؤمنين فإنهم لم يكلموا بالمناجاة حتى تجب عليهم الصدقة ، بل أمروا بالصدقة إذا أرادوا المناجاة ، فمن ترك المناجاة فلا يكون مقصرا في امتثال الأمر بالصدقة على أن الآية ما يدل على أن الأمر للندب كما قدمنا ، وقد استدل بهذه الآية من قال بأنه يجوز النسخ قبل إمكان الفعل وليس هذا الاستدلال بصحيح ، فإن النسخ لم يقع إلا بعد إمكان الفعل ، وأيضا قد فعل ذلك البعض فتصدق بين يدي نجواه كما تقدم . أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً أي والوهم ، قال قتادة : هم المنافقون تولوا اليهود ، وقال السدي ومقاتل : هم اليهود تولوا المنافقين ، ويدل على الأول قوله : غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فإن المغضوب عليهم هم اليهود ويدل على الثاني قوله : ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ فإن هذه صفة المنافقين كما قال اللّه فيهم : مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ [ النساء : 143 ] والجملة في محل نصب على الحال أو هي مستأنفة وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ أي أنهم مسلمون أو يحلفون أنهم ما نقلوا الأخبار